يدرك أبسط الباحثين في التاريخ السياسي أن ما يحدث حاليا على الساحة اعتبارا من 25 يناير الثاني هو تعبير عن المرحلة الثانية من تاريخ الثورات ألا وهي الصراع بين الفصائل المعتدلة والمتشددة للثورة.. ورغم كثرة عدد الدكاترة والأساتذة المنضمين لهذه الثورة إلا أنني لم أقرأ هذا تحليلا موضوعيا لأي من أحداث ومراحل ثورة يناير بل قرأت بدلا منه كثيرا من التهويمات والتضليلات التي حكمت خطاب نخبة "الدكاترة الثوريين" منذ بداية اندلاع الثورة والتي ساهمت في إنتاج كثير من التشويهات والارتباك في المواقف والأفكار بدلا من ترشيدها.. ربما كان التفسير الأساسي لهذه الظاهرة هي الانغماس الأيديولوجي والحركي لكثير من هؤلاء المثقفين داخل هذا الجناح أو ذاك من اجنحة الثورة. وعجزهم عن التمييز – ولا نقول الفصل – بين صفتهم الثورية وصفتهم الأكاديمية والعلمية والبحثية .
بعيدا عن الحماس الذي لا بد أن يتوارى امام الكوارث التي أنتجها وينتجها التشخيص الخاطئ لما يحدث فإن البداية تكون بالتوصيف الجدي لما يحدث حاليا .
أقول – وبالمناسبة أنا أقف على أرضية إسلامية لا إخوانية ولا سلفية- أن ما يحدث حاليا هو صراع بين التيارات العلمانية والتيارات الإسلامية داخل الثورة. ربما يجد الإسلاميون في استخدام كلمة صراع ظلما بينا: لأن كلمة الصراع كلمة غير محببة إسلاميا أولا و لأنهم لم يبدأوه على الأقل علنا بل دفعوا اليه من خلال ما حدث في التحرير من طرد -أبسط ما يوصف كونه مذل- لشباب الإخوان من الميدان، ثم حملة التشويه التي أحاطت بهذه العملية. لكن هذا الطرد هو واقعة شديدة الرمزية والدلالة لما يحدث حاليا في الميدان الأكبر " الثورة" ما يقتضي التحليل والفهم المعمق بعيدا عن الحماسة والخداع.
أول وأخطر عناصر الخداع والتشويه هو القول بان ما حدث في الميدان هو مناوشات بين "شباب الثورة " وشباب الإخوان.. وكلمة شباب الثورة التي رددها الإعلام الخاص المنضوي في شبكة تحالفات مع التيار العلماني في الثورة ورددها بغباء معهود الإعلام الرسمي هي كلمة لا يجب أن تمر ببساطة وحسن نية. إنها محاولة – ليست أولى ولا أخيرة – للاستئثار بصفة شباب الثورة لتيار بعينه وطرد التيارات الأخرى المنافسة أو المناهضة . بدأ الأمر بعد الثورة مباشرة عندما تم تشويه وإقصاء بعض التيارات الوسطية المعتدلة مثل جماعة طارق زيدان وغيرها ودمغهم بالعمالة للسلطة. والآن تتكرر نفس العملية بالانقلاب على شباب الإخوان وهم فصيل عضوي أساسي في شباب الثورة. بل إن بعضهم ضحى بعضويته في الإخوان من أجل الاستمرار داخل ما يسمى بائتلافات الثورة. وكما حدث من قبل جاءت اتهامات التخوين والعمالة للإخوان بعد ان فازوا في الانتخابات وبدأت عملية لن تنتهى من التشويه تحت هتاف " بعتوا الثورة من زمان" والمصافقة مع المجلس العسكري وكأن الشعب نفسه الذى اختار هؤلاء هو الطرف المسكوت عنه في التواطوء.
إن أحداث الجمعة 27 يناير تستحق الوقوف طويلا والتساؤل: من الذي يسرق الثورة؟ من الذي يسطو عليها ؟ من الذي يحتكر الحديث بإسمها؟ ولماذا ؟ والإجابة ببساطة أن هناك شبكة قوية من القوى والتيارات العلمانية لها أذرع دعائية – ولا نقول إعلامية- متغولة، وأذرع أيديولوجية نشطة، واذرع حركية دينامية تكسب كل يوم أرضا جديدة وسط المهمشين والنخبة على السواء ، وأذرع تمويلية ألله أعلم بها في ظل خيبة الحكومة وصمتها في الكشف عن نتائج التحقيقات.
لقد مكنت كل تلك الأدوات التيار العلماني من الأخذ بزمام المبادرة في إعلان المرحلة الثانية من الصراع – الذي يعد أحد ثوابت هذا التيار- نحو طرد وإضعاف التيار الإسلامي في الثورة . تماما كما أخذ زمام المبادرة من قبل في إقصاء شرائح أخرى أفرادا وجماعات أولها الشعب المصري نفسه – بعد أيام من الثورة . حيث قيل صراحة ..لقد ظللتم خانعين ثلاثين عاما أويزيد الآن ارجعوا الى صمتكم ونحن سنضع أجندة الثورة. ومنذ تلك اللحظة بدأت عشرات المطالب التي لا يعرف عنها الشعب شيئا كثير منها لا يمثله ولا يعبر عن مصالحه.
خطة العلمانيين نحو احتكار الثورة وصولا الى احتكار السلطة تعتمد الى – الى جانب تكتيكات أخرى- على أدوات الخطاب .. وبشكل أكثر تحديدا على عملية الدعاية وصياغة مفاهيم الثورة ومصطلحاتها التي تؤدي الى عمليات تحريك وتعبئة الجماهير، وتشويه الأعداء وصياغة الأهداف .. ولنلقي نظرة فقط على عينة من عملية الخداع وصياغة الخطاب التضليلي هذه.
إن توصيف ما حدث بأنه ثورة قام بها الشباب المسيس هو بداية عملية التزييف والخداع والاستئثار الكبرى فالمظاهرة التي دعت اليها حركات كفاية و6 إبريل لم تكن لتتحول الى ثورة لولا شرطين : أولا حالة الاحتقان الشعبي ونضج الحالة الثورية للشعب المصري ، وثانيا خروج الملايين الى الشوارع خروجا لم يسبق له مثيل بلغ ذروته في الحادي عشر من فبراير.
استمرت عملية الخداع والتزييف بطرح شعار "سرقة الثورة" واستخدامه كسلاح لتشويه وإقصاء أية قوى تقف عقبة أمام طموح ذلك التيار الجامح للوصول الى السلطة . هكذا تم تشويه الجيش المصري تشويها لم يسبق له مثيل منذ حرب 1967. تشويه يرى كثير من المصريين أنه لا يجد ما يبرر أكثر ما انطوى عليه . فما ارتكبه " العسكر" – حسب تعبير آلة الدعاية الجهنمية التي استخدمت واستدعت كل المفاهيم الرائجة في تاريخ الكتابات السياسية ووظفتها جيدا - ما ارتكبه العسكريون هي أخطاء نتيجة عدم التمرس في العمل السياسي . تحولت مع الدعاية والحرب النفسية والاستدراج الى مواجهات الى خطايا.
لم تتوقف آلة التزييف عن العمل أبدا وآخرها الدعوة لتطهير القضاء والإعلام .وهي دعوة حق يراد بها باطل . فدعوة التطهير حين تطرح على أسس فوضوية وغوغائية يتولاها الشارع بدلا من قوى سياسية مسئولة ومنتخبة على أساس برنامج منضبط إنما يتعني ببساطة هدم تلك المؤسسات كما حدث في مؤسسة الشرطة وأمن الدولة. تطهير القضاء يأتي في وقت يحقق فيه القضاء في قضية تمويل المنظمات الحقوقية والناشطين التي تهدد بفضح الامتدادات الخارجية لبعض الحركات والمنظمات. أما تطهير الإعلام الرسمي المتهافت العاجز في وجه طغيان الصحافة والقنوات الخاصة المتضامنة والمتشابكة مع الحركات العلمانية فيهدف لإرهاب هذا الإعلام المرتجف والذي يفتح نافذة محدودة امام بعض الناقدين لتلك التيارات السائدة والسيدة العالية الصوت، ويتحدث ببعض الاحترام عن المجلس العسكري المنسحب سريعا من الحياة السياسية. وقد أنتجت هذه الحملة التي وصلت للتهديد باقتحام ماسبيرو ومحاصرته نتائجها فورا حين فتح موظفوا ماسبيرو المرتعشون الباب للغازي الذي يحاصرهم بقواته الأستاذ الناشط علاء عبد الفتاح ليجلس أمام كاميراته فيصول ويجول، ثم لبعض الناشطين الآخرين تباعا ليتحدثوا بقوة وزهو عن مطالبهم وإملاءاتهم ويلقوا بالسباب يمينا ويسارا على كل المخالفين وسط ارتعاش المسئولين في هذا الجهاز المتداعي شكلا ومضمونا.
السؤال الآن ما هو الموقف الذي يتعين على القوى الإسلامية أن تقفه أمام هذا الخطاب الجديد لإقصائها وتشويهها.؟ هذا يستدعي كشف حساب قاس أيضا لهذه القوى..
نقولها بصراحة أن القوى الإسلامية قد وقعت في أخطاء جسيمة منذ البداية .. قد تبنت منذ البداية مفردات الخطاب العلماني حول الثورة وأهدافها. ولعل أبرز الأمثلة وضوحا في ذلك هو تحليل مفردات خطاب الأساتذة مظهر شاهين " خطيب الثورة" وحازم صلاح أبو إسماعيل " المرشح المحتمل" وصفوت حجازي " أمين الثورة" وهو خطاب متماهي تماما مع الخطاب الذي يصيغه التيار العلماني ولا يحمل أي بصمة إسلامية . . إن للثقافة الإسلامية مفرداتها وقيمها وآدابها التي بكل أسف لم نلتمس أثرا لها في خطاب الجناح الإسلامي للثورة.
لم يقم الإسلاميون وعلى رأسهم الإخوان المسلمين بتعميق أو تأصيل لقيمة وخطاب " الحق" ورفع "الظلم" الذي هو القيمة العليا في الخطاب الإسلامي الإصلاحي والتغييري سواء في نقد الخطاب الثوري الرائج أو في طرح البدائل على صعيد الشعارات والأولويات والمواقف حين يلزم الأمر. توانى الإسلاميون عن الوقوف بصلابة المسلم الحق أمام الشطط وأمام أخطاء وخطايا وادعاءات ترتكب من كل الأطراف وكلام حق يراد به باطل. إختار الإسلاميون منهج معاوية وهجروا منهج عمر، وغلبت اعتبارات الموائمة السياسية والمسايرات حركتهم حتى وإن اعتقدوا خلاف ذلك .. تركوا وسكتوا عن كثير من المبالغات والمغالطات التي تدخل في نطاق ظلم آخر " خوفا من الناس "والله أحق أن تخشوه". وأدى هذا الموقف الى عدم ترشيد كثير من الشباب الإسلامي وانخداعهم بمقولات التيار العلماني ولم يبق إلا أن يحملوا هم أيضا قناع فانديتا شعارا لهم.
الإسلاميون لم يحللوا جيدا بل أبدا فوزهم في الانتخابات وأقول صراحة أنهم أحبطوا ناخبيهم تماما كما فعلت التيارات الشبابية " العلمانية" مع الشعب. لقد اختار الشعب الإخوان والسلفيين لأنه توسم فيهم القوة والتماسك والصلابة التي تتيح للشعب الخروج من حالة السيولة ونعومة السلطة وتخنث الواقع السياسي الذي يدفع المواطن المصري ثمنه من قوته وأمنه. لكن الجلسات الأولى لمجلس الشعب وما انطوى عليها من مهاترات ومواءمات وخطاب مبتذل لا تنم عن خير. على مجلس الشعب أن يتجاوز محاولات التوريط وأن يطرح الإسلاميون خطة للإصلاح التشريعي ترضي طموحات الناس في الإصلاح وتجبر برشادتها وليس برعونتها الحكومة على الانصياع لها .
إن الصلابة على الحق وطرح خطاب اسلامي إصلاحي والتصدي للغوغائية ومحاولات التوريط هي طريق الإسلاميين لمواجهة ما يراد بهم ، بل هي طريق الشعب للخروج مما هو فيه وطريق الثورة لتصبح ثورة مصرية محلية إختار لها الشعب مرجعية إسلامية ..
أقول في الختام إن الوقت لم يفت على تدارك المواقف وتصحيح المسار ، وإلا فليحمل الإسلاميون مسئوليتهم الجسيمة أمام الله في أول تجربة منصفة يتيحها لهم .. وإن لم يفعلوا فليخرجوا هم أيضا مرتدين مع زملائهم قناع فانديتا.













إن فاتك العلامة الدكتور سلمان العودة كعالم تتربى على يديه، فلا يفوتك هذا الملف الذي يتيح لك فرصة أن تتعلم من كلماته التالية التي وضعناها بين يديك.

ملف يسعى إلى الإجابة على كافة الأسئلة التي تدور في أذهان أولياء الأمور قبل بدء الدراسة من أول الاستعدادات لروتين اليوم الدراسي، وكيفية تقبل الالتزام به، ووسائل التغلب على ضعف التركيز والانتباه، وأفضل ...




